عبد الكريم الخطيب

1201

التفسير القرآنى للقرآن

[ الجلد والرجم . . وجريمة الزنا ] قوله تعالى : « الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ » . هكذا تبدأ السورة بهذا الحكم ، على غير ما جرى عليه القرآن من تقرير الأحكام في ثنايا السورة ، وبين يديها ومن خلفها آيات تمهيد لها ، وتعقب عليها . أما هنا ، فقد تكاد السورة تبدأ بهذا الحكم ، وليست الآية التي بدأت بها السورة إلا إعلانا عن أن هذه سورة ، وأنها جاءت ابتداء بتقرير هذا الحكم ، وهذا يشير إلى أن هذا الأمر الذي جعلته السورة في مقدمتها ، هو أمر عظيم الخطر على المجتمع الإنسانى ، وأن من الحكمة الإسراع في محاربته والقضاء عليه ، وأنه لهذا جدير بأن يتصدر سورة من سور القرآن الكريم ، وألا تسبقه مقدمات ، وإرهاصات تشير إليه . . وفي تصدير الحكم بالجملة الاسمية ، تقديم للمسند إليه - المبتدأ - وكشف عنه قبل الكشف عن الحكم الذي سيسند إليه . . إذ ليس المقصود أولا هو إقامة الحدّ على الزانية والزاني ، وإنما المراد هو التعرف على من يحمل هذا المرض الخبيث في كيانه . . ثم يأتي بعد ذلك ما يتخذ لوقايته ، ووقاية المجتمع منه . . فقوله تعالى : « الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي » يلفت السامع إلى أن حكما ما سيقع عليهما ، أو قولا سيقال فيهما . . وهنا تصغى الأسماع ، وتتطلع النفوس إلى هذا الحكم . . وإذ يتوقع المستمعون أن هذا الحكم سيكون وعيدا من اللّه ، أو وصفا دامغا للزانية والزاني - يجئ الأمر على غير ما ينتظرون ، وإذا هم أنفسهم ، هم